محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

534

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

خلقه وفعله ، وخلقه أمره ، وفعله قوله ؛ وقد أبان اللّه تعالى في مواضع من كتابه أنّ له الخلق والأمر ، ونفس الكتاب والكتب السالفة تدلّ على أنّ له قولا وخطابا ، وإرسال الرسل - عليهم السلام - بالأوامر والنواهي والتكاليف والشرائع دليل واضح على أنّ له قولا وأمرا . ثمّ العقول إنّما تتحيّر في أنّ قوله من جنس قول البشر حرفا وصوتا وكلمة ولفظا أم هو وراء ذلك معنى وحقيقة ؟ وهو واحد من كثير ؛ ومن أثبت لبعض الحيوانات نطقا وقولا ليس يعني به حروفا منظومة وأصواتا مقطّعة ، بل الأصوات المخصوصة والنبرات المنظومة دالّة على تفاهمها المعنى المطلوب ، وكلام الإنسان فوق نطق الحيوان ، بل هم في حجاب ممّا يقوله الإنسان . ( 233 آ ) كذلك الإنسان بالنسبة إلى الملائكة ؛ فإنّ التفاهم بينهم بواسطة قول ونطق فوق نطق الإنسان ، بل الإنسان في حجاب ممّا يقوله الملك ؛ وكما أنّ الإنسان على طبقات من النطق والقول كذلك الملك على طبقات من النطق والقول ؛ فينتهي نطق الإنسان بأكمله وأفضله ، وينتهي نطق الملك بأكمله وأفضله : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . * ثمّ نسبة قول الملائكة إلى قول اللّه تعالى كنسبة قول البشر إلى الملائكة ، بل دونها ؛ فإنّ ما هو إلى الوحدة أقرب كان في الشرف أكمل ؛ فليس قول اللّه تعالى من جنس قولنا حتّى يستدعي كلّ موجود قولا خالصا ، وحتّى يستحيل خطاب المعدوم ، وحتّى يتميّز خطاب التكوين عن خطاب التكليف ، بل الأمر إذا لم يكن من جنس أمر البشر ، وهو واحد ومع وحدته كثير وأكثر من كلّ كثير ؛ فلا وجه إلّا أن نسلّم الأدنى درجة الأعلى ولا نقيس إلّا على الأدنى ، ونتّبع الكتاب والسنّة لفظا ومعنى . وسرّ آخر : أنّ سياقة المعنى في هذه الآية والآيات التي قبلها تحقيق استحالة التوالد ، وأنّ من لم يقل بالأمر القولي ولم يثبت وراء عالم الخلق أمرا وقولا وكلمة تامّة وكلمات عامّة فقد أثبت التوالد من ذاته تعالى ، والصدور عنه كصدور الضوء من الشمس ، فقد بيّن اللّه تعالى أنّه بديع السماوات والأرض ومبتدعها من غير إصدار عن ذاته ، ولا تولّد من وجوده ، بل إذا قضى أمرا فإنّما يقول له كن ، وهو معنى قوله : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فالكائن بقوله غير ، والصادر عن ذاته غير ، وليس يلزم على الأوّل توالد وليس ينفكّ الثاني عن توالد .